فوزي آل سيف
14
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
ومنها إلزام الإمام عليه السلام بأن يكون حاضرا في بلاط العباسيين في الأسبوع أكثر من مرة، بحيث كان معروفا عند العامة كما لو كان يجب أن يسجل حضورا، إلى الحد الذي يعبر عنه بعضهم بأن أحد أصحاب الحوائج تعرض للإمام عليه السلام وقت منصرفه من قصر المتوكل[55]، وفي بعض هذه المشاهد كان يتم تعمد إهانة الإمام عليه السلام بجعله يمشي بين يدي المتوكل، في اليوم القائظ لا لشيء إلا لأجل استعراض قوته العسكرية. ومنها التظاهر بعداء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى عرف بأنه من النواصب[56]الذين ينصبون العداء للإمام عليه السلام، وقيل بأن هذه كان أحد الأسباب الذي دعت ابنه المنتصر للتفكير في قتل أبيه. 11/ أحوال الإمام عليه السلام بعد موت المتوكل في سنة 247 هـ شرب المتوكل من نفس الكاس التي أذاقها غيره، وقد كان يريد أن يتعشى بابنه المنتصر ونصيريه التركيين بغا ووصيف، فتغدّوا به قبل أن يتعشى بهما، وهكذا اختلط دم الخليفة (ناصر السنة) بخمر لذاته وشرابه المحرم![57] وجاء بعده ـ على الرغم منه ـ ابنه محمد المنتصر، وكان جيدا في مواقفه العامة تجاه الناس، وعلى الخصوص فيما يرتبط بأهل البيت عليهم السلام، حتى احتمل بعض الباحثين تشيعه حيث أن محبة آل البيت برغم ما كان عليه المتوكل من النصب والبغض كانت موجودة في داخل القصر العباسي[58]، ويشير إلى بعض ما سبق ابن الأثير بقوله: "كانَ المُنْتَصِرُ عَظِيمَ الحِلْمِ، راجِحَ العَقْلِ، غَزِيرَ المَعْرُوفِ، راغِبًا فِي الخَيْرِ، جَوادًا، كَثِيرَ الإنْصافِ، حَسَنَ العِشْرَةِ، وأمَرَ النّاسَ بِزِيارَةِ قَبْرِ عَلِيٍّ والحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَأمَّنَ العَلَوِيِّينَ، وكانُوا خائِفِينَ أيّامَ أبِيهِ، وأطْلَقَ وُقُوفَهُمْ، وأمَرَ بِرَدِّ فَدَكَ إلى ولَدِ الحُسَيْنِ والحَسَنِ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
--> 55 ) الطوسي؛ ابن حمزة: الثاقب في المناقب ٥٥٩ في قصة من أراد سؤال الإمام أن يدعو له، بالشفاء من برص عرض له.. فجلس له يوما في الطريق وقت منصرفه من دار المتوكل.. 56 ) ابن الأثير: الكامل في التاريخ6/ 130 «وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليًّا وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف رأسه، وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين، يحكي بذلك عليًّا، عليه السلام، والمتوكل يشرب، ويضحك، ففعل ذلك يوما، والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفا منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام، وأخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعا: غار الفتى لابن عمه رأس الفتى في حر أمه فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل» .. وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب، والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم، الشاعر الشامي، ومن بني شامة ابن لؤي، وعمر بن فرج الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي بني أمية، وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة. 57 ) الصفدي؛ صلاح الدين: الوافي بالوفيات 5/ 204: رثاه أحمد بن إبراهيم الأسدي فقال: «هَكَذَا فلتكن منايا الْكِرَام … بَين ناي ومزهر ومدام بَين كاسين أردتاه جَمِيعًا … كاس لذاته وكاس الْحمام» 58 ) الكافي١/٥٤٧: « عن إبراهيم بن محمد الطاهري قال: مرض المتوكل من خَرَّاجٍ خرج به وأشرف منه على الهلاك، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن علي بن محمد مالاً جليلاً من مالها.